الخطيب الشربيني
77
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
وقال ابن عطية : جمع أعجم ، يقال الأعجمون جمع أعجم وهو الذي لا يفصح وإن كان غربيّ النسب يقال له أعجم وذلك يقال للحيوانات ، ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « جرح العجماء جبار » « 1 » وأسند الطبريّ عن عبد الله بن مطيع أنه كان واقفا بعرفة وتحته جمل فقال جملي هذا أعجم ولو أنه أنزل عليهم ما كانوا يؤمنون . ولما كان ذلك محل تعجب وكأنه ربما ظنّ له أنّ الأمر على خلاف حقيقته قرّر مضمونه وحققه بقوله تعالى : كَذلِكَ أي : مثل إدخالنا التكذيب به بقراءة الأعجم سَلَكْناهُ قال ابن عباس والحسن ومجاهد : أدخلنا الشرك والتكذيب فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ أي : كفار مكة بقراءة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، وهذا يدل على أنّ الكل بقضاء الله تعالى وقدره ، وقيل : الضمير في سلكناه عائد إلى القرآن ، قال ابن عادل : وهو الظاهر أي : سلكناه في قلوب المجرمين كما سلكناه في قلوب المؤمنين ومع ذلك لم ينجع فيهم ، وفي جملة . لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وجهان : أحدهما : الاستئناف على جهة البيان والإيضاح لما قبله ، والثاني : أنها حال من الضمير في سلكناه أي : سلكناه غير مؤمن به أي : من أجل ما جبلوا عليه من الإجرام وجعل على قلوبهم من الطبع والختام حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ أي : الملجئ للإيمان فحينئذ يؤمنون حيث لا ينفعهم الإيمان ويطلبون الأمان حيث لا أمان . ولما كان إتيان الشرّ فجأة أشدّ ، قال تعالى : فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بإتيانه . فَيَقُولُوا أي : تأسفا واستسلاما وتلهفا في تلك الحالة لعلمهم بأنه لا طاقة به بوجه هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ أي : مفسوح لنا في آجالنا فنسمع ونطيع . فإن قيل : ما معنى التعقيب في فيأتيهم بغتة فيقولوا ؟ أجيب : بأنه ليس المعنى ترادف رؤية العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة في الوجود ، وإنما المعنى ترتبها في الشدّة ، كأنه قيل : لا يؤمنون بالقرآن حتى يكون رؤيتهم للعذاب عما هو أشدّ منها وهو لحوقه بهم مفاجأة عما هو أشدّ منه وهو سؤالهم النظرة ، مثال ذلك : أن تقول لمن تعظه : إن أسأت مقتك الصالحون فمقتك الله ، فإنه لا يقصد بهذا الترتيب أن مقت الله يوجد عقب مقت الصالحين وإنما قصدك إلى ترتيب شدّة الأمر على المسئ ، فإنه يحصل له بسبب الإساءة مقت الصالحين عما هو أشدّ من مقتهم وهو مقت الله ، ونرى ثم تقع في هذا الأسلوب فيجمل موقعها . ولما أوعدهم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بالعذاب قالوا إلى متى توعدنا بالعذاب ومتى هذا العذاب قال الله تعالى : أَ فَبِعَذابِنا أي : وقد تبين لهم كيف أخذه للأمم الماضية والقرون الخالية والأقوام العاتية يَسْتَعْجِلُونَ أي : بقولهم : أمطر علينا حجارة أسقط علينا كسفا من السماء ونحو ذلك . أَ فَرَأَيْتَ أي : هب أنّ الأمر كما يعتقدون من طول عيشهم في النعيم فأخبرني إِنْ مَتَّعْناهُمْ أي : في الدنيا برغد العيش وصافي الحياة سِنِينَ . ثُمَّ جاءَهُمْ أي بعد تلك السنين المتطاولة والدهور المتواصلة ما كانُوا يُوعَدُونَ من العذاب . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 207 إلى 208 ] ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ ( 207 ) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ ( 208 )
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الزكاة حديث 1499 ، والنسائي في الزكاة حديث 2497 .